أبو نصر الفارابي
47
احصاء العلوم
أحدهما - أن في كل واحد إنفاذا ومعونة على أنها كالآلات للجزء الرابع ، ومنفعة بعضها أكثر وبعضها أقل . والثاني - على جهة التحرير ، وذلك أنها لو لم تتميز هذه الصنائع بعضها عن بعض حتى تعرف قوانين كل واحد منها على انفرادها ، مميزة عن قوانين أخرى ، لم يأمن الإنسان عند التماسه الحق واليقين أن يستعمل الأشياء الجدلية ، من حيث لا يشعر أنها جدلية ، فيعدل به عن اليقين إلى الظنون القوية ، أو يكون قد استعمل من حيث لا يشعر أمورا خطبية فيعدل إلى الإقناع ؛ أو يكون قد استعمل المغلطات من حيث لا يشعر « 1 » : فإما أنّ توهمه فيما ليس بحق أنه حق فيعتقده ، وإما أن تحيره . أو يكون قد استعمل الأشياء الشعرية من حيث لا يشعر أنها شعرية ، فيكون قد عمل في اعتقاداته على التخيلات وعند نفسه أنه سلك في هذه الأحوال الطريق إلى الحق فصادف ملتمسه ، ولا يكون صادفه على الحقيقة . كما أن الذي يعرف الأدوية والأغذية ، وإن لم يتميز له السموم عن هذه بالعقل حتى يتيقن معرفتها بعلاماتها ، لم يأمن أن يتناولها على أنها غذاء أو دواء من حيث لا يشعر فيتلف . وأما على القصد الثاني ، فإنه يكون قد أعطى أيضا أهل كل صناعة من الصنائع الأربعة « 2 » جميع ما تلتئم به تلك الصناعة حتى
--> ( 1 ) يحاول الفارابي أن يبرر سبب تقسيم القياس إلى برهان وجدل ومغالطة وخطابة وشعر . ( 2 ) يعني بالصنائع الأربعة الجدل والمغالطة والخطابة والشعر ، أن علم المنطق يضع قواعد هذه العلوم ليعلمها من يريد أن يبرع فيها فيصير جدليا بارعا أو خطيبا بارعا أو شاعرا بارعا . . . الخ .